خلال عملي السابق في القضاء التجاري، وأثناء مزاولتي للمحاماة، كان من أبرز ما لفت انتباهي في النزاعات التي تحدث بين الشركاء في الشركات العائلية، أن أبرز أسبابها تمسك القائمين على الإدارة من الشركاء بهذه الميزة، وهي (الإدارة)، لاسيما في منصب رئيس مجلس المديرين الذي يعض عليه بعض الشركاء بالنواجذ، وجرت العادة أن يحظى به أكبر الشركاء سناً – في الشركات العائلية – وتصبح ميزة الإدارة تضفي على القائم بها مزيد وجاهة ومكانة اجتماعية، بمعزل عن المؤهلات الحقيقية التي يجب أن تتوافر في مدير أو مديري الشركة، وأن يكون المعيار الأوحد فيها هو مصلحة الشركة.

” يجب أن تعاد صياغة النظرة إلى العمل التجاري، وألا يكون من أهدافه البحث عن الوجاهة الاجتماعية، فالوجاهة الاجتماعية تأتي تبعاً لتحقيق النجاحات المتوالية في العمل التجاري، لكن ذلك لا يعني أنها هدفٌ صحيح من أهدافه “

وما أن يتبوأ الشريك الأكثر حظوة، أو الأقوى شخصية، أو الأكبر سناً، أو الأكثر تأثيراً منصب رئيس مجلس المديرين في الشركة، حتى يصبح جلّ اهتمامه في البحث عن الوجاهة الاجتماعية، والسعي وراء فرص تقوية العلاقات، واغتنام الفرص لتحقيق مصالحه الشخصية، ومصالح أولاده، بينما تأتي مصلحة الشركة في الدرجة الثانية من قائمة اهتماماته.

وكثيراً ما نرى في الشركات العائلية من المديرين من قضوا السنوات الطويلة وهم متربعون على عرش الإدارة، وأصبح هذا الكرسي وكأنه حقٌ مكتسب، ومركزٌ قانوني غير قابل للتغيير، وغالباً لا يضع حداً لذلك إلا موت هذا الشريك.

فهل مثل هذه الممارسة التي باتت منتشرة لدرجة يصعب انتقادها أو مناقشتها بين الشركاء، وصار من يجرؤ على الاعتراض عليها كأنه يسيء إلى تقاليد العائلة، ويقلل من احترام كبيرها، هل ذلك يتوافق مع ما يفترض أن يكون حاكماً على العمل التجاري من تمكين الأكفأ، وإتاحة الفرصة للأكثر قدرة من الشركاء – أو من خارجهم – على تحقيق مصلحة أعلى للشركة والشركاء؟

فالشركة وإن كانت عائلية، إلا أنها قبل ذلك كيان تجاريٌ يهدف إلى الربح، وهذا يتطلب أن يدار بأكثر الأساليب احترافاً وكفاءة، وأن يكون منصب الإدارة خاضعاً لمنهج اختيار الأكفأ، وأن يخضع أداء من يتسلم مركز الإدارة للتقييم وفقاً لمعايير واضحة دقيقة، تكون هي الفيصل في استمراره أو استبداله بغيره .

وإذا كانت الشركات العائلية على مستوى العالم تمثّل نسبة كبيرة من مساحة الاقتصاد ؛ فإن ذلك يعني أنه لا يحق للشركاء في هذه الشركات أن ينظروا إليها على أنها ملكية خاصة يتصرفون فيها كيفما شاءوا، بل يجب أن يستشعروا قيمتها في اقتصاد الوطن، وتأثيرها على المجتمع، ومدى الحاجة إلى حمايتها وتطويرها، وذلك باتباع أكثر أساليب الإدارة كفاءة، وبعيدا عن استخدامها وسيلة للوجاهة والمصالح الفردية.

وفي بعض نماذج الشركات العائلية نجد أن نجاح الشركة وإنجازاتها يتحقق على أيدي كفاءات من القياديين، إلا أنهم يأتون في الظلّ لا يعرفهم إلا الشركاء الذين تربعوا على كراسي الإدارة، واتخذوها وسيلة للوجاهة، وتركوا القيادة الفعلية لهؤلاء التنفيذيين الأكفاء، واكتفى المديرون بالمناصب الصورية. وهذه أيضاً مشكلة أخرى.

فما الذي يمنع هؤلاء المديرين من الجرأة على ترك الإدارة لمن يمارسها فعلياً، ويكتفون بجني الأرباح والتنعم بالنتائج ؟

إنه فقط التمسك بالوجاهة التي يحققها منصب الإدارة.

لقد أدت بعض صور النزاعات على رئاسة مجلس المديرين في الشركات العائلية، إلى الإضرار بمصالح الشركة وسمعتها، وسرت تلك النزاعات من كبار الشركاء إلى موظفي الشركات والمتعاملين معها، حتى أصبحت تلك الشركات في مهب الريح.

بل إنه في بعض القضايا التي مرّت بي يهون على أحد الشركاء المديرين أن يضحي بجزء ٍ من مصالح الشركة، أو يلحق بها بعض الضرر، لمجرد أن يحقق انتصاراً على منافسه الآخر من الشركاء في الوصول إلى كرسي رئاسة مجلس المديرين.

يجب أن تعاد صياغة النظرة إلى العمل التجاري، وألا يكون من أهدافه البحث عن الوجاهة الاجتماعية، فالوجاهة الاجتماعية تأتي تبعاً لتحقيق النجاحات المتوالية في العمل التجاري، لكن ذلك لا يعني أنها هدفٌ صحيح من أهدافه.

ورغم أن وزارة التجارة والصناعة قد أصدرت دليلاً استرشادياً لحوكمة الشركات العائلية ؛ إلا أنه لم يعالج هذه المشكلة، ولم يتناولها بالدرجة الكافية .

ولا أعتقد أن القضاء على هذه الظاهرة غير السليمة يأتي بسنّ قانون أو فرض تنظيم على هذه الشركات ؛ إنما يبدأ من بث الوعي وإدراك العوائل التجارية لهذه الحقيقة، وقناعتهم أن مصلحتهم ومصلحة ورثتهم من بعدهم، تكون في اتباع أكثر الوسائل قدرة على نماء وتطوير وحماية شركاتهم وما حققته من إنجازات، وذلك بالتخلي التام عن هذه القناعة الخاطئة.


المصدر: صحيفة الرياض العدد 17298 مقالة لـ محمد بن سعود الجذلاني